مجمع البحوث الاسلامية
675
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ الأنبياء : 94 ، وقوله تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل : 97 . فإنّ الظّاهر من الآيتين : أنّ العمل الصّالح في دائرة الإيمان ، هو الّذي يمنح الإنسان حقّ الأجر الّذي يمنحه اللّه له في الدّنيا والآخرة ، وهو الّذي يمنع من كفران سعيه الّذي يلتقي مع معنى الحبط والبطلان . وفي ضوء ذلك ، يكون الحبط كناية عن أنّ هذه الأعمال - مع الكفر - صارت بمنزلة العدم ، لأنّ الإيمان هو الّذي يعطي العمل قيمته ونتائجه الإيجابيّة . فليست السّعادة الّتي يتطلّبها الإنسان شيئا يعيشه في حياته الدّاخليّة من موقع الثّقة الّتي يفرضها الإيمان ، بل هو شيء يحصل عليه من خلال عطاء اللّه له ، لأنّ اللّه يعطي الثّواب في الدّنيا كما في الآخرة ، وسينزل العذاب في الدّنيا كما ينزله في الآخرة ، وهذا هو جوّ الآية ، واللّه العالم . هل الأعمال يبطل بعضها بعضا ؟ هناك خلاف فكريّ بين المؤمنين : هل أنّ الأعمال يبطل بعضها بعضا بحيث تبطل الحسنة السّيّئة ، أو السّيّئة الحسنة ، أو يبقى كلّ واحد منهما على حاله في قضيّة الجزاء ؟ فهناك قائل ببطلان الإحباط : أوّلا : لأنّه ظلم مستحيل على اللّه سبحانه ، وهذا ما ذكره نصير الدّين الطّوسيّ في « تجريد الاعتقاد » ، قال : إنّ الإحباط نوع من الظّلم ، فلو أنّ شخصا قلّت حسناته وكثرت ذنوبه ، فسيكون الإحباط بالنّسبة إليه أن يصبح شخصا لم يعمل حسنة قطّ ، وهذا ظلم بحقّه . وثانيا : الآيات الدّالّة على أنّ الإنسان يجزى بعمله مطلقا ، سواء لحقه شيء مضادّ له أو لم يلحقه ، كما في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال : 7 ، 8 ، وقوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التّوبة : 101 ، وظاهر هذه الآية أنّ الأعمال تبقى على حالها في نتائجها الإيجابيّة والسّلبيّة حتّى تأتيهم التّوبة من اللّه سبحانه . وثالثا : إنّه لا موجب للإحباط بعد انطلاق كلّ منهما من موقعه الدّاخليّ في النّفس الإنسانيّة ، ممّا يفرض أن يأخذ كلّ واحد منهما دوره في واقع الإنسان ، من خلال عدم ارتباط أحدهما بالآخر ، أو غلبته عليه ، فلا وجه لإلقاء أحدهما الآخر . وهذا هو المنهج العقلائيّ الّذي جرى عليه العقلاء بفطرتهم الّتي خلقها اللّه فيهم ، في الجزاء على الحسنة بشكل مستقلّ كما لو لم تكن هناك سيّئة ، والجزاء على السّيئة بشكل مستقلّ كما لو لم تكن هناك حسنة ؛ وذلك من خلال السّيّئات والحسنات الّتي لا تحمل مدلولا مميّزا ؛ بحيث يلغي الأساس للآخر كلّه . أمّا في العمل الّذي يقطع العلاقة بين الإنسان وربّه كالكفر والارتداد ، فإنّه يقطع المسألة من جذورها الّتي لا تبقي للحسنة أيّة قابليّة للبقاء ، في حساب الأعمال . وهناك قائل : بأنّ الأعمال تبقى على حالها في آثارها العامّة والخاصّة ، ولكنّ الحسنة قد تكفّر السّيّئة ، كما في